العلامة المجلسي

137

بحار الأنوار

واحتج من جوز التقليد بأنه لو وجب النظر في المعارف الإلهية لوجد من الصحابة ، إذ هم أولى به من غيرهم ، لكنه لم يوجد وإلا لنقل كما نقل عنهم النظر والمناظرة في المسائل الفقهية ، فحيث لم ينقل لم يقع ، فلم يجب . وأجيب بالتزام كونهم أولى به ، لكنهم نظروا وإلا لزم نسبتهم إلى الجهل بمعرفة الله تعالى ، وكون الواحد منا أفضل منهم ، وهو باطل إجماعا ، إذا كانوا عالمين ، وليس بالضرورة ، فهو بالنظر والاستدلال ، وأما أنه لم ينقل النظر والمناظرة ، فلاتفاقهم على العقائد الحقة لوضوح الامر عندهم ، حيث كانوا ينقلون عقائدهم عمن لا ينطق عن الهوى فلم يحتاجوا إلى كثرة البحث والنظر ، بخلاف الاخلاف بعدهم ، فإنهم لما كثرت شبه الضالين ، واختلفت أنظار طالبي اليقين ، لتفاوت أذهانهم في إصابة الحق احتاجوا إلى النظر والمناظرة ، ليدفعوا بذلك شبه المضلين ، ويقفوا على اليقين ، أما مسائل الفروع لما كانت أمورا ظنية اجتهادية خفية لكثرة تعارض الامارات فيها وقع بينهم الخلاف فيها ، والمناظرة والتخطئة لبعضهم من بعض فلذا نقل . واحتجوا أيضا بأن النظر مظنة الوقوع في الشبهات ، والتورط في الضلالات ، بخلاف التقليد فإنه أبعد عن ذلك ، وأقرب إلى السلامة ، فيكون أولى ، ولان الأصول أغمض أدلة من الفروع وأخفى ، فإذا جاز التقليد في الأسهل ، جاز في الأصعب ، بطريق أولى ، ولأنهما سواء في التكليف بهما فإذا جاز في الفروع فليجز في الأصول . وأجيب عن الأول بأن اعتقاد المعتقد إن كان عن تقليد لزم إما التسلسل أو الانتهاء إلى من يعتقد عن نظر ، لانتفاء الضرورة ، فيلزم ما ذكرتم من المحذور مع زيادة ، وهي احتمال كذب المخبر ، بخلاف الناظر مع نفسه ، فإنه لا يكابر نفسه فيما أدى إليه نظره ، على أنه لو اتفق الانتهاء إلى من اتفق له العلم بغير النظر كتصفية الباطن كما ذهب إليه بعضهم ، أو بالالهام ، أو بخلق العلم فيه ضرورة ، فهو إنما يكون لافراد نادرة ، لأنه على خلاف العادة فلا يتيسر لكل أحد الوصول إليه مشافهة ، بل بالوسائط فيكثر احتمال الكذب ، بخلاف الناظر فإنه لا يكابر نفسه